أحمد فارس الشدياق

92

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

مختلفة ، فهو يصنع قصيدة واحدة من جميع بحور العروض . وأمّا المخاسر فلأن السمع لا يتمكّن كلّ التمكن من إدراك جميع مخارج تلك الأصوات المتغايرة . وهذه الطريقة عندي على الآلات أحسن منها على الأصوت . الثالث : إن غناء الإفرنج هو مثل قراءتهم في أنه لا يخلو من حماسة وتهييج فضلا عن التشويق والتطريب والترقيص ، فغناء الحماسة والتهييج هو الذي يكون به ذكر القتال ، وأخذ الثأر ، والذب عن الحقيقة ، فإذا سمعه الجبان ولا سيّما من الآلات العسكرية هانت عليه روحه . أمّا الغناء العربي فكلّه تشويق وغرامي ، وأجدر به أن يكون جامعا لمعنى الطرب ، وهو خفّة تصيب الإنسان من فرح أو حزن ، فإذا سمع أحد منّا صوتا أو آلة شغف قلبه الغرام ، فبدت صبابته ، وحنّتنفسه كما يحنّ الإلف إلى إلفه حتى يصير عنده آخر الفرح ترحا . ولا غرو إن صعد منه الزفرات ، وأذرف العبرات فإن السرور إذا تفاقم أمره وتكامل بدره دبّ فيه محاق الشجن ، واختلط به الحزن حتى يستغرق صاحبه في بحر من الوجد ، ويشتعل بنار من الهيام ، وعلى ذلك ورد قولهم طربه وشجاه من الأضداد . الرابع : إنّ الإفرنج لا قرار لأصواتهم إلا على الرصد ، نعم إن جميع الأنغام يوجد لها مقامات في آلاتهم ، بل توجد أنصافها وأرباعها ، إلا مقامين منها لا أنصاف لهما ، إلا إنهم لا يقرّون إلا على المقام الأول ، وقد سمعت منهم الرهاويّ والبوسليك والأصفهاني ، أمّا غيرها فلم اسمعه قط بل قد سمعت منهم بعض أغان من أغانينا أوقعوها على آلاتهم فكانت كلّها رصدا . وقد والله طالما وقفت السمع على أن أسمع منهم أنغامنا فخبت حتى اعترتني الحيرة ؛ فإنّي من جهة كنت أرى آلاتهم بديعة الصنعة على كثرتها وأفكر في أن العلوم انتهت إليهم ، والفنون قصرت عليهم ، وإن عندهم في هذا الفن بدائع كثيرة فاتتنا على ما سبق ذكره . ومن جهة أخرى أرى أن براعتهم كلّها إنّما هي من مقام الرصد ، نعم إنّ هذا المقام هو أول المقامات وإنه يغنّى منه في مصر وتونس أكثر ممّا يغنّى من غيره إلا أن فضل الصّبا